قد يبدأ الأمر من نية طيبة تماماً؛ زوجة تستمع إلى زوجها بعد يوم طويل، تسانده في قراراته، تذكره بمواعيده، وتهتم بصحته وعمله بدافع الحب والخوف عليه والرغبة في مساعدته على تجنب الأخطاء.
لكن هذا الدور، إذا تكرر واتسع مع الوقت، قد يتحول من دعم عاطفي إلى نمط يومي يثقل العلاقة. فبدلاً من أن يكون الحوار مساحة لتبادل المشاعر والحكايات، يصبح سلسلة من النصائح والتنبيهات والتصحيحات المستمرة.
ومن الطبيعي أن يعرف الزوجان نقاط ضعف بعضهما، وأن يقدم كل منهما الدعم للآخر عند الحاجة، لكن الفارق كبير بين أن يسأل أحدهما: «كيف يمكنني مساعدتك؟»، وبين أن يتولى تلقائياً مهمة حل مشكلات الطرف الآخر دون أن يُطلب منه ذلك.
وقد يظهر هذا التدخل في صور مختلفة، مثل تكرار الأسئلة عن المشاعر، أو تقديم حلول لمشكلة لم يطلب صاحبها رأياً بشأنها، أو التذكير الدائم بما يجب فعله، أو تفسير تصرفات الشريك نيابة عنه بعبارات مثل: «أنت تفعل ذلك لأنك غاضب»، أو «أنت تتصرف هكذا لأنك متوتر».
ومع تكرار هذا الأسلوب، قد يتحول الحديث اليومي بين الزوجين إلى ما يشبه جلسة تقييم، حتى عندما يكون أحدهما في حاجة فقط إلى الحديث عن يومه أو تفريغ ما بداخله.
وهنا تبرز أهمية الاستماع الحقيقي. فوفقاً للجمعية الأميركية لعلم النفس، يمكن للاستماع دون إصدار أحكام أن يعزز الشعور بالقرب والاتصال بين الأشخاص. ولا يعني الاستماع الجيد مجرد الصمت حتى ينتهي الطرف الآخر من الكلام، بل محاولة فهم تجربته ومشاعره بدلاً من الانشغال بالتفكير في الرد أو الحل.

من الشراكة إلى الإدارة
إحدى النتائج المحتملة لهذا النمط هي تراجع الشعور بالشراكة داخل العلاقة. فعندما يصبح أحد الطرفين في موقع الناصح والمصحح، بينما يجد الآخر نفسه في موقع المتلقي للتوجيهات، قد تتحول العلاقة تدريجياً من شراكة متوازنة إلى علاقة أقرب إلى الإدارة.
ولا يعني ذلك أن النصيحة أمر سلبي في حد ذاته، فالمشكلة تبدأ عندما تتحول إلى الأسلوب الافتراضي في التعامل اليومي.فالطرف الذي يعتاد إخبار شريكه كيف يأكل، ومتى ينام، وكيف يتصرف في عمله، وماذا يقول لأسرته، وكيف يدير أمواله أو مشكلاته، قد يجد نفسه دون قصد في دور يشبه المدير أكثر من دور الزوج أو الزوجة.
وتشير دراسة كندية نُشرت عام 2025 في مجلة العلاج الزوجي والأسري، وأجراها باحثون من جامعات في كيبيك وتورونتو، إلى أن انخفاض شعور أحد الشريكين بالاستقلالية داخل العلاقة يرتبط بتراجع رضاه عنها، سواء على المدى اليومي أو بعد مرور فترة من الزمن.
وهذا يعني أن حاجة الإنسان إلى القرب العاطفي لا تلغي حاجته إلى مساحة شخصية، ولا إلى حقه في اتخاذ قراراته والتصرف وفق ما يراه مناسباً له.
أحياناً يحتاج الشريك إلى الاستماع لا الحلول
قد يكون من الصعب رؤية شريك الحياة يواجه مشكلة دون التدخل فوراً، خصوصاً إذا كان الطرف الآخر يعتقد أنه يعرف الحل أو مر بتجربة مشابهة من قبل.
لكن الرغبة في المساعدة لا تعني دائماً أن التدخل هو ما يحتاجه الشريك. ففي كثير من الأحيان، قد يكون كل ما يريده هو أن يحكي ما يشعر به، وأن يجد من يصغي إليه ويفهمه، لا أن يحصل على تحليل لشخصيته أو خطة لحل مشكلته.
ويوضح عالم النفس والباحث في العلاقات ديف سمالين، في مقال نشره موقع «سايكولوجي توداي»، أن الشركاء يقدمون أشكالاً مختلفة من الدعم، منها الاحتواء العاطفي، والمساعدة العملية، وتقديم النصائح. وقد يحدث التعثر عندما يكون أحد الطرفين بحاجة إلى التفهم والإنصات، بينما يرد الآخر مباشرة بتقديم حل.
لذلك، قد يكون السؤال البسيط: «هل تريدني أن أستمع فقط، أم تريد رأيي؟» وسيلة فعالة لمعرفة نوع الدعم الذي يحتاجه الشريك، بدلاً من افتراض ذلك نيابة عنه.

دائرة الإلحاح والانسحاب
لا يعني الأمر أن يتوقف الزوجان عن تبادل النصائح، بل أن تصبح النصيحة استجابة لحاجة واضحة أو طلب مباشر، لا عادة يومية متكررة.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاستماع أولاً قبل طرح الحلول، والسؤال عما يحتاجه الطرف الآخر، واحترام حقه في اتخاذ قراراته حتى عندما تكون مختلفة عن رأي شريكه.
كما يساعد التعبير عن الحاجة بطريقة واضحة بدلاً من توجيه اللوم، وجعل الطلبات محددة وقابلة للتنفيذ، مع تقدير ما ينجزه الطرف الآخر بدلاً من التركيز المستمر على ما لم يفعله.
فالنصح المستمر قد يدخل الزوجين في دائرة مرهقة؛ كلما شعر أحدهما بأن الآخر لا يستجيب، زاد التذكير والإلحاح، وكلما زاد الضغط، مال الطرف الآخر إلى الدفاع عن نفسه أو الانسحاب، فتزداد حدة التوتر.
ويصف معهد غوتمان المتخصص في أبحاث العلاقات الزوجية هذا النمط باسم «الملاحقة والانسحاب»، حيث يسعى أحد الطرفين إلى النقاش والحل، بينما يبتعد الآخر أو يتخذ موقفاً دفاعياً.
ومع تكرار هذه الدورة، لا تعود المشكلة في الطلب الأصلي فقط، بل في طريقة التفاعل نفسها. ولذلك، فإن البحث عن طرف يتحمل اللوم لا يكون مفيداً بقدر أهمية انتباه الزوجين إلى هذا النمط ومحاولة كسره معاً.
كيف يمكن تغيير المعادلة؟
لا تحتاج الزوجة إلى التوقف عن تقديم النصيحة لزوجها، لكنها تحتاج إلى معرفة الوقت المناسب لها، والتمييز بين لحظة يحتاج فيها الشريك إلى رأي عملي، ولحظة يحتاج فيها فقط إلى الاحتواء والاستماع. ومن المهم أيضاً احترام حق الزوج في اتخاذ قراره، حتى إذا كانت النصيحة مختلفة، واستبدال تفسير مشاعره بالسؤال عنها. فبدلاً من القول: «أنت غاضب لأنك متوتر»، يمكن سؤاله: «هل تشعر بالتوتر؟».
فشريك الحياة ليس مشروعاً يحتاج إلى إصلاح دائم، والزوجة ليست مطالبة بأن تكون معالجة نفسية لزوجها. وفي بعض الأحيان، قد يكون أفضل ما تقدمه هو الإصغاء دون تعليق، والثقة بقدرته على إدارة شؤونه، وترك مساحة له ليخطئ ويتعلم بطريقته.
اقرأ أهم وأبرز الأخبار والتقارير عربياً وعالمياً من راديو M Radio في الشأن السياسي والاقتصادي والرياضي والصحي والمزيد حصرياً عبر موقعنا الالكتروني.