في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد المسؤوليات اليومية، يجد الإنسان نفسه أمام سلسلة متواصلة من القرارات، تبدأ باختيار ملابسه ووجبة الإفطار، وتمتد إلى تنظيم شؤون الأسرة والعمل، وصولاً إلى قرارات مصيرية تتعلق بالزواج أو تغيير الوظيفة أو الانتقال إلى بلد آخر.
ومع تراكم هذه الخيارات، قد يشعر البعض بصعوبة في اتخاذ القرارات، حتى البسيطة منها، في حالة يفسرها المحيطون أحياناً بأنها ضعف في الشخصية أو تردد مفرط، بينما يربطها خبراء علم النفس بظاهرة تُعرف باسم «إرهاق اتخاذ القرار» (Decision Fatigue).
وتشير هذه الظاهرة إلى حالة من التعب الذهني والعاطفي قد تنشأ نتيجة كثرة القرارات وتعقيدها، ما يؤثر في قدرة الإنسان على التفكير بوضوح والموازنة بين الخيارات المتاحة.
ما الذي يحدث للدماغ عند كثرة القرارات؟
يشبه الخبراء الإرهاق الناتج عن اتخاذ القرارات بالتعب الذي يصيب الجسم بعد مجهود طويل، إذ تتطلب المفاضلة بين الخيارات تركيزاً ذهنياً ومعالجة مستمرة للمعلومات وتقييماً للعواقب المحتملة.وترتبط هذه الفكرة بنظرية نفسية تُعرف باسم «استنزاف الأنا»، طرحها عالم النفس الأميركي روي باوميستر وزملاؤه، وتفترض أن ضبط النفس واتخاذ القرارات يعتمدان على موارد ذهنية محدودة يمكن أن تتراجع مع الاستخدام المتواصل.
ورغم أن هذه النظرية أثارت اهتماماً واسعاً في علم النفس، فإن نتائج الأبحاث بشأنها لا تزال محل نقاش، خصوصاً فيما يتعلق بفكرة وجود مخزون ثابت من الإرادة ينفد تدريجياً.
ومع ذلك، فإن الشعور بالإرهاق بعد يوم مليء بالاختيارات المعقدة قد ينعكس على السلوك، فيصبح الشخص أكثر ميلاً إلى تأجيل القرارات أو اتخاذ خيارات متسرعة لتجنب التفكير المطول.
8 علامات تكشف إصابتك بإرهاق القرار
بحسب تقرير نشره موقع «كليفلاند كلينك»، هناك ثماني علامات شائعة قد تشير إلى المعاناة من إرهاق اتخاذ القرار.
1. المماطلة وتجنب القرارات:** يجد الشخص نفسه يؤجل حسم أمور بسيطة أو مهمة، وقد يتجنب مواقف تتطلب اتخاذ قرار، حتى إن كان التأجيل يؤدي إلى زيادة الضغوط لاحقاً.
2. التسرع والاندفاع:** قد يتخذ الفرد قرارات غير مدروسة، مثل شراء منتجات لا يحتاج إليها أو إنفاق مبالغ كبيرة بصورة مفاجئة، نتيجة تراجع قدرته على التقييم الهادئ.
3. الإرهاق الجسدي والعاطفي:** يشعر الشخص بتعب شديد بعد التعامل مع عدد كبير من القرارات، وقد يصاحبه ميل إلى النوم أو البكاء أو الانسحاب من الأنشطة اليومية.
4. ضبابية التفكير:** تظهر صعوبة في التركيز وتذكر الأسماء ومتابعة المحادثات، إلى جانب الشعور بتشتت الذهن وعدم القدرة على تنظيم الأفكار.
5. سرعة الانفعال:** تصبح الأسئلة اليومية البسيطة، مثل تحديد وجبة الطعام أو التخطيط لليوم التالي، مصدراً للتوتر والانزعاج.
6. الشعور بالضغط الشديد:** يشعر الإنسان بأن مسؤولياته تتجاوز قدرته على التحمل، وأنه لا يمتلك مساحة ذهنية لاستيعاب المزيد من المهام أو الالتزامات.
7. الندم والشك المستمر:** حتى بعد اتخاذ القرار، قد يستمر الشخص في مراجعة اختياره والتفكير في البدائل، مع شعور متكرر بأنه لم يختر الحل الأفضل.
8. الأعراض الجسدية:** قد يظهر الضغط النفسي المرتبط بالقرارات في صورة صداع أو توتر عضلي أو ارتعاش جفن العين أو الغثيان واضطرابات الجهاز الهضمي.
ويوضح المختصون أن هذه الأعراض قد تكون مؤقتة بعد يوم مرهق، لكن استمرارها بصورة متكررة يستدعي استشارة مختص، لأنها قد ترتبط بحالات أخرى مثل القلق أو الاكتئاب أو الاحتراق النفسي.

لماذا قد تعاني النساء من إرهاق أكبر؟
لا تتوزع المسؤوليات الذهنية والتنظيمية دائماً بالتساوي داخل الأسرة، إذ تتحمل نساء كثيرات جانباً كبيراً من التخطيط اليومي وإدارة احتياجات المنزل والأطفال، إلى جانب التزاماتهن المهنية والشخصية.
وقد يشمل هذا العبء اتخاذ عشرات القرارات المتعلقة بالمواعيد والمشتريات والرعاية الصحية والتعليم وتنظيم شؤون الأسرة، وهي مسؤوليات قد تستمر حتى بعد انتهاء ساعات العمل.وفي هذا السياق، أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 بعنوان «لماذا تشعر النساء بإرهاق أكبر من الرجال؟» أن المشاركات من الطالبات أبلغن عن مستويات أعلى من التعب والضغط النفسي واضطرابات النوم مقارنة بالمشاركين من الرجال.
وأشارت النتائج إلى احتمال ارتباط الفروق في الشعور بالإرهاق بعوامل مثل التوتر وجودة النوم، دون أن تثبت أن كثرة القرارات المنزلية هي السبب المباشر لهذه الفروق.
ويرى مختصون أن استمرار المسؤوليات الذهنية، إلى جانب الضغوط المهنية والأسرية، قد يزيد الشعور بالإنهاك، خصوصاً عندما لا تتوافر فترات كافية للراحة أو توزيع عادل للمهام.
كيف يمكن التخلص من إرهاق اتخاذ القرار؟
ينصح خبراء الصحة النفسية باتباع مجموعة من الخطوات العملية لتخفيف الضغط الذهني وتحسين القدرة على اتخاذ القرارات.
وتبدأ هذه الخطوات بتبسيط الخيارات اليومية المتكررة، مثل تحديد وجبات الطعام أو تجهيز الملابس مسبقاً، بدلاً من استهلاك الوقت والطاقة في التفكير بالتفاصيل نفسها كل يوم.
كما يُفضل تقليص عدد البدائل عند اتخاذ القرارات المهمة، ووضع معايير واضحة للمقارنة بينها، مع تحديد وقت مناسب للحسم وتجنب البحث المستمر عن الخيار المثالي.
ومن المفيد أيضاً تأجيل القرارات المعقدة إلى الأوقات التي يكون فيها الشخص أكثر نشاطاً وتركيزاً، سواء في الصباح أو المساء، بحسب طبيعته ونمط حياته.
ويشدد المختصون على أهمية توزيع المسؤوليات وتفويض بعض المهام إلى الآخرين، خصوصاً داخل الأسرة وبيئة العمل، لتجنب تحمل عبء جميع القرارات بصورة فردية.
كذلك، يؤدي النوم الكافي والنشاط البدني وإدارة التوتر دوراً مهماً في دعم القدرات الذهنية، إلى جانب تخصيص فترات منتظمة للراحة بعيداً عن الضغوط والمشتتات.
وفي النهاية، لا تعني صعوبة اتخاذ القرار بالضرورة ضعف الشخصية أو نقص الثقة بالنفس، فقد تكون انعكاساً لتراكم المسؤوليات والضغوط اليومية. ويكمن الحل أحياناً في تقليل عدد الخيارات غير الضرورية، وإعطاء العقل فرصة للراحة، بدلاً من محاولة التحكم في كل التفاصيل طوال الوقت.
اقرأ أهم وأبرز الأخبار والتقارير عربياً وعالمياً من راديو M Radio في الشأن السياسي والاقتصادي والرياضي والصحي والمزيد حصرياً عبر موقعنا الالكتروني.